أخبــاربلاد الجوارنبض الساعة

“اختناق فيزيائي” يثير التساؤلات في طهران

لم تعد الأزمة التي يواجهها قطاع النفط في إيران مقتصرة على العقوبات أو تقلبات الأسعار، بل باتت تتجه نحو ما يوصف بـ”الاختناق الفيزيائي”، حيث يستمر الإنتاج من الحقول، لكن تتقلص القدرة على التخزين والتصدير، ما يضع طهران أمام ضغط تشغيلي غير مسبوق.

ووفقًا لتقارير وكالة رويترز، فإن القيود المفروضة على صادرات النفط، إلى جانب الاضطرابات في مسارات التصدير عبر مضيق هرمز، أدت إلى تراكم كميات كبيرة من الخام داخل البلاد، ما نقل الأزمة من بعدها المالي إلى مستوى لوجستي مباشر يمسّ البنية التشغيلية للقطاع.

سعة تخزين محدودة وضغط متسارع

تقدّر شركات تتبع الطاقة، مثل “كيبلر”، أن السعة التخزينية البرية في إيران تتراوح بين 80 و90 مليون برميل من أصل قدرة إجمالية تقارب 120 مليون برميل. ومع إنتاج يومي يراوح بين 3 و3.5 مليون برميل، تبدو هذه السعة كافية نظريًا لأسابيع محدودة، لكنها تتآكل بسرعة في ظل تعطل التصدير.

وتشير بيانات نقلتها تقارير دولية إلى أن صادرات إيران انخفضت من نحو 1.5 إلى 1.8 مليون برميل يوميًا إلى أقل من 600 ألف برميل، ما أدى إلى تراكم الفائض بشكل يومي، وسط تقديرات تفيد بأن الوصول إلى الحد الأقصى للتخزين قد يحدث خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع فقط.

ما بعد امتلاء الخزانات

تحذر تحليلات لوكالة أسوشيتد برس من أن الخطر الحقيقي لا يبدأ عند امتلاء الخزانات، بل بعده، إذ قد تضطر إيران إلى خفض الإنتاج أو إغلاق بعض الحقول النفطية، خصوصًا القديمة منها، وهو ما قد يسبب أضرارًا طويلة الأمد في المكامن النفطية.

وتشير التقديرات الفنية إلى أن إيقاف الإنتاج في حقول متقادمة قد يؤدي إلى فقدان الضغط الطبيعي داخل المكامن أو حدوث تسربات، ما ينعكس سلبًا على القدرة الإنتاجية المستقبلية للقطاع.

من مصدر قوة إلى عبء اقتصادي

تسببت الأزمة الحالية في خسائر كبيرة لإيران، حيث تشير تقديرات إلى أن تراجع الصادرات كلف الاقتصاد عشرات المليارات من الدولارات. ومع تزايد صعوبة التخزين، يتحول النفط تدريجيًا من أداة نفوذ اقتصادي إلى عبء يقيّد القرار السياسي.

وتوضح تحليلات اقتصادية أن استمرار الضغط قد يدفع طهران إلى خفض الإنتاج بشكل قسري، ما يعني خسارة جزء من حصتها في الأسواق العالمية، وتقليص قدرتها على استخدام النفط كورقة تفاوض.

خيارات محدودة ومكلفة

أمام هذا الوضع، تواجه إيران مجموعة من الخيارات الصعبة؛ أبرزها خفض الإنتاج، أو اللجوء إلى التخزين العائم عبر ناقلات النفط، أو الاعتماد على شبكات تصدير غير رسمية، وهي حلول توصف بأنها مؤقتة ومحدودة الفاعلية.

وفي المقابل، تطرح بعض التحليلات الغربية سيناريو أكثر تصعيدًا يتمثل في محاولة الضغط سياسيًا أو عسكريًا لإعادة فتح الممرات البحرية الحيوية، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر عالية.

ضغط اقتصادي يقود نحو الخيارات السياسية

ويرى خبراء في الشأن الإيراني أن بلوغ سقف التخزين يمثل نقطة تحول حرجة، لأنه يضرب جوهر القدرة التشغيلية لقطاع النفط، وليس فقط عائداته المالية، ما قد يدفع طهران إلى إعادة النظر في خياراتها السياسية والاقتصادية تحت ضغط الواقع.

في المحصلة، تبدو أزمة النفط الإيرانية أقرب إلى سباق مع الوقت، حيث تتقاطع القيود اللوجستية مع الضغوط الاقتصادية، في لحظة قد تعيد رسم توازنات القرار داخل طهران بين خيار التكيف أو التصعيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى